Select Language
EN  |  UR  |  AR



    قائمة سریعة  

 

 

الرؤية تعليمية للجامعة

مازالت الأمة الإسلامية أمة تاريخ وحضارة، وأمة أمجاد وأصالة؛ فهي أمة أخرجها الله- تعالى شأنه- لتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.

ونظراً إلى عظم المسئولية وشدتها وهبها الله تعالى من الذكاء الفطري والنبوغ العقلي والتفرس الإيماني والصبر والجلادة والهمة أضعاف ما آتاه الأمم السالفة، ومن هنا عُرف سلفنا الصالح - على مدار التاريخ الإسلامي- بالجدة العلمية والمنهجية العملية والإبداع الفكري والابتكار الثقافي والإثراء المعرفي، أتقنوا الكتاب والسنة، وأجادوا الفقه والوعي، وقعدوا القواعد، وأصلوا الأصول، ووضعوا العلوم والفنون، وأضافوا إلى المكتبات كمية هائلة من الكتب القيمة، التي يزدان بها التاريخ الإسلامي، وستظل تبقى موضع الاعتزاز والافتخار لدى الأمة الإسلامية، ومثار الاستغراب والدهشة لدى الآخرين.               

لكن في القرون المتأخرة عند ما شهد العالم الإسلامي انهيار القوة السياسية وتشتت الشمل وتباعد الآراء وتضارب الأهواء واحتلال الأجانب ونكران الأقارب مُنِيَ العقل المسلم - في الغالب- بالجمود والإغراق في التقليد والتعصب؛ فكلَّت الطبائع وجمدت القرائح وأجدبت العقول، وأصبحت ميزات وخصائص الأمة تتميع وتذوب أمام هذه الظاهرة التي منشؤها التعطل وحب الهدوء والراحة والتقليد والركودإلا العدد القليل من العلماء الغيارى على الدين الحنيف،الذين تميزوا بالبحث والتنقيب ومحاولة التوصل إلى جيد وطريف في كل علم وفن، وقليل من هم.

               وكان من أجلِّ هؤلاء العلماء الإمام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله (المتوفى1297ه) الذي برز في أحلك الظروف، ليحاول الحفاظ على الشريعة الإسلامية، ويتصدى للحيلولة دون المكائد والدسائس التي تستهدفبشكل مكشوف أو مستورالكيانَ الإسلامي، وذلك عن طريق جهاد الأعداء وإجراء النقاش والحوار الديني معهم، القائم على الثوابت العلمية والعقلية، وتقريب المفاهيم الإسلامية إلى عقول العامة والخصوم استدلالاً بقواطع الأدلة من المعقول والمنقول، وقيادة حركة تأسيس المدارس الإسلامية، الرامية إلى القضاء على الجهالة والأمية المتفشية في الأمة، ومايترتب عليها من منكرات ومحدثات، لاصلة لها بالدين، ونشر العلم وخلق المناخ التعليمي والذوق البحثي الإبداعي، ومن أجل ذلك قام الإمام بتأسس الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند؛ لتحصل لأبناء الأمة القناعة الذاتية بما يدينه من دين، ويؤمن به من معتقد وثقافة، وتتخرج من الجامعة دفعات وكوادر، حريصة على الحفاظ على الشريعة بكل غال ورخيص، وتكفي الأمةَ مسئوليةَ الرد على الشكوك والشبهات المثارة ضد الإسلام.

               فكل محاولات التجديد والإصلاح التي حلم بها الإمام ورفاقه وسعوا لها جاءت عن طريق التعليم، فكان للجامعة نظام خاص للتعليم والتربية، يتمثل في الآتي:

النظام التعليمي:

أما النظام التعليمي في الجامعة الإسلامية دار العلوم وقف ديوبند فهو نظام يحتوي على المواد الإسلامية، كالتفسير وأصوله والحديث وأصوله والفقه وأصوله والبلاغة العربية بأنواعها الثلاثة والمنطق والفلسفة القديمة والعلوم العربية بأنواعها، وما إليها من العلوم، وقد وضع جذوره الشيخ العلامة نظام الدين المتوفى عام1161ه، ومن ثم اشتهر هذا النظام بالدرس النظامي؛ إلا أنه أدخل فيه الشاه ولي الله الدهلوي وأبناؤه وتلامذتهم تعديلات كبيرة؛ حتى اكتمل نظام تعليمي معدَّل، يُعنى بكل من العلوم النقلية والعقلية باتزان واعتدال؛ بل الاهتمام بجانب المنقول هو الأكثر والأبرز. كما سيظهر بالنظر في المقررات الدراسية.

               وكان الإمام محمد قاسم النانوتوي مؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند من عباقرة العلم والإصلاح والتربية والتعليم، ومن أمناء حركة الشاه ولي الله الدهلوي في التجديد والإصلاح، ومن كبار قواد مقاومة الاحتلال الإنجليزي، فاختار نظامًا تعليميا شاملا يربي الطلبة على مبادئ إسلامية عظيمة ويخلق فيهم الشعور المتزايد بضرورة العودة إلى الدين الإسلامي الأصيل والكراهية الشديدة للبدع والمنكرات والاحتلال الأجنبي ومحاولاته التغريبية، فقد غرس الاحتلال بيد علمائه نظاما تعليميا، من شأنه تغريب المجتمع الهندي كما جاء في تقرير اللورد ميكالي رائد النظام التعليمي في عهد الاحتلال، الذي قدمه إلى الحكومة البريطانية،جاء فيه:  "نريد من هذا التعليم تكوين جيلٍ هندي اللون والدم، غربي الفكر والذوق".

فتبين واضحا أن التعليم  الحكومي لا يخدم إلا مصالح الاحتلال، فليس هو إلا مصيدة، يتصيد بها الاحتلال العقل الهندي، ويصبغه صبغة غربية، فبات من الضروري أن يوضع نظام تعليمي، من شأنه تخريج العلماء الأكفاء، الذين يتحدَّون الاحتلال ويقاومه أشد المقاومة، ويقودون حركة تجديدية شاملة، تنشر النور وتبدد الظلام، تدعو إلى الخير وتنهى عن المنكر، وتأبى إلا أن تخلق في الناشئين قوة الحديد وحرارة النار، ولوعة الدعاةوجرأة الأسود ونزاهة المصلحين ودقة الفقهاء، ليقدروا على احتواء كافة الميادين العملية للعمل الإسلامي.

فهذا نظام تعليمي وتربوي معا، لايهدف إلى تدريس بعض المواد وتوزيع الشهادات على الخريجين وحسب؛ بل يهدف إلى إقامة الدين كله، وتخريج الرجال الجديرين بحمل الرسالة المحمدية بدقة وأمانة، وإصلاح المجتمع الإسلامي، ومقاومة كل نظام طاغوتي.

وقد أبدى هذا الهدف الأسنى شيخ الهند محمود حسن الديوبندي أول طالب في الجامعة ومن كبار قواد حركة الاستقلال الهندي بقوله: "وهل أسس أستاذي (الإمام محمد قاسم النانوتوي رحمه الله) هذه المدرسة للتدريس والتعليم فقط؟ كلا، إن المدرسة أُسست أمامي، وكما أعلم أنها أقيمت بعد فشل ثورة 1857م كمركز إسلامي كبير، يعمل في تخريج الرجال القادرين على جبر الخسائر الفادحة في الثورة".

               ولايُقَدِّرُ عظمة هذا الهدف إلا من اطَّلع أولًا على الخسائر الفادحة التي لحقت بالمسلمين في فشل ثورة عام 1857م،ألم يذهب هذا الفشل بحكم المسلمين في الهند ومجدهم وعزهم وثقافتهم؟ ألم يتركهم حيارى مشدوهين؟ألم يقتل الاحتلال ألوفا من علماء المسلمين وعامتهم؟ ألم يشرِّدهم شر تشريد؟ ألم يعطل مدارسهم ومساجدهم؟ ألم يصادر أوقافهم؟ ألم يجعلهم رجال الشوارع بعد أن كانوا رُعاة الوطن وحكامه؟ بلى! فالجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند تريد إعادة المجد الغابر وإعداد رجال أكفاء لذلك، وذلك عن طريق التعليم المتميز بمنهجه ونظامه.

               فيمكن أن نلخص هدف الجامعة بما قاله حكيم الإسلام الشيخ المقرئ محمد طيب القاسمي على اللورد ميكالي الإنجليزي بقوله: "إن غرضنا من التعليم هو إيجاد جيل يكون بلونه وعنصره هندياً، يتنور قلبه وعقله بنور الإسلام، وتموج نفسه بالعواطف الإسلامية، ثقافة وحضارة وسياسة ".

مميزات النظام التعليمي في الجامعة:

  • ·مجانية التعليم:لم يكن المسلمون المنكوبون الهنود في عهد الاحتلال في تحسُّن اقتصادي، يأذن لهم بالإنفاق على طلب العلم، كما أنهم لم يكونوا يدركون خطورة التعليم. فقرر علماء الجامعة نظام التعليم المجاني حرصا منهم على تطوير نطاق العلم والنفع.
  • ·مجانية التسهيلات اللازمة: إن الجامعة الإسلامية "دارالعلوم وقف ديوبند" والمدارس الإسلامية التي تتبع منهجها لا تقوم بتقديم التعليم المجاني فحسب؛ بل بتوفير التسهيلات اللازمة لطلابها من السكن والغذاء والكسوةِ والمقررات الدراسية،إضافة إلى أنها تتكفل بنفقات العلاج والمنح الدراسية، وذلك مما وفَّر فرصة الدراسة والتعليم لأبناء الأسر الفقيرة أو المحدودة الدخل والتي لا تستطيع دفع رسوم الدراسة والتعليم. وتُشَكل الجامعة أول مؤسسةٍ تعليمية تقوم علی مجانية التعليم والتثقيف، وهي ماضية قُدُماً - منذ ما يقارب قرناً ونصف- علی هذه السياسة التعليمية بصورةٍ ناجحةٍ تثير العجب والحيرة.
  • ·المساواة العرقية في التعليم: ومن المزايا التعليمية لدى الجامعة أنها تقدم عجلات التعليم إلى الأمام بدون تمايز وتفاضل على أساس العرق واللون والجنس؛ فأبوابها مفتوحة لكل من يرغب في التعليم.
  • ·التركيز الزائد على تعليم الكتاب والسنة: وجهت الجامعة عناية خاصة إلى تعليم الكتاب والسنة باعتبارهما أساس التشريع الإسلامي؛ حتى أصبحت دراسة الحديث النبوي الشريف في الجامعة ميزةً تمتاز بها عن المؤسسات التعليمية الأخری في الهند وباكستان وغيرهما من الدول؛ مما جعل الناس ينظرون إليها نظرةً ملؤها الإعجاب والتقدير والاحترام. ويرجع ذلك إلى علماء الدار، الذين جعلوا خدمة الحديث النبوي الشريف نصب أعينهم ووقفوا عليها حياتهم، فقدشغل منصب تدريس الحديث الشريف أعلام العلماء والمحدثين كأمثال الإمام محمد قاسم النانوتوي (1248ه / 1297ه) والعلامة رشيد أحمد الكنكوهي (1244ه/ 1323ه)، وشيخ الهند العلامة محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/1851-1920م)، والإمام محمد أنور شاه الكشميري (1292-1352هـ/1875-1933م)، والعلامة الشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ/ 1879-1975م) والعلامة محمد إبراهيم البلياوي (1304-1386هـ/1887- 1966م) والعلامة شيخ الإسلام شبير أحمد العثماني(المتوفى 1369ه/ 1949م) والشيخ فخر الدين أحمد (1307-1392هـ/ 1889-1972م). والشيخ حكيم الإسلام المقرئ محمد طيب القاسمي (1315ه / 1403ه) والشيخ سيد محمد أنظر شاه الكشميري (1929م / 2008م)، وما زال يشغل هذا المنصب علماء كبار منقطعون إلى خدمة الحديث الشريف.
  • ·التربية الإسلامية السليمة لطلبة الجامعة: إن الجامعة تركز كثيرًا علی تربية الطلاب تربية سليمة، فتغرس حب المثل الإسلامية الروحية والخلقية في قلوب طلابها والكراهية الشديدة للتعصب الطائفي والمعاصي ومنكرات القول والعمل بجانب تمكينهم في العلوم الإسلامية، ليبرزوا أهلاً لما نيط بهم من مسؤوليات وأعباء، ويقوموا بدور ريادي في خدمة الدين والعلم والأدب، ومن ثم تحاسب الجامعة الطلاب على الأعمال الخارجة عن المروءة والقيم محاسبة شديدة، قد تنتهي بفصل الطالب عن الجامعة، وبذلك تكوَّن جوٌّ إسلامي مغبوط في رحاب الجامعة، ولله الحمد.
  • الدعوة إلى الانفتاح الثقافي: إن للجامعة نظامًا خاصًا للتعليم، لاتتعداه إلى غيره، وذلك لاعتبارات معقولة ومبادئ مقررة، رسمها مؤسس الجامعة؛ إلا أنها لاتسُدُّ أمام طلابها أبواب الانفتاح الثقافي، فلاتفرض عليهم الحظر في تلقّي العلوم النافعة من الجامعات الأخرى حكومية كانت أو غيرها، في الهند كانت أو في خارجها. فقد قال الإمام النانوتوي مؤسس الجامعة في إحدى حفلات الجامعة: "إن توجَّه طلاب المدرسة [جامعة ديوبند] بعد التخرج في العلوم الإسلامية إلى الجامعات الحكومية وتلقَّوا العلوم الحديثة، فهذا يزيدهم علمًا وكمالاً" (سوانح قاسمي، مناظر أحسن كيلاني، ج2، ص281.

 

مازالت الأمة الإسلامية أمة تاريخ وحضارة، وأمة أمجاد وأصالة؛ فهي أمة أخرجها الله- تعالى شأنه- لتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.